السيد كمال الحيدري

349

المعاد روية قرآنية

ممّا استندت إليه بعض وجوه الاستدلال العقلي . وفى موردنا فإنّ الله تعالى خلق النار بمعنى أنّه أوجد نظاماً وهذا النظام يقتضى أنّ المعصية تؤدّى إلى مثل هذه النتائج . القرآن الكريم في سورة الرحمن تعرّض إلى بيان النار وآلامها وشدائدها وأهوالها ، وما يجرى على المجرم فيها فقال تعالى : فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( الرحمن : 13 ) ثمّ قال : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِى وَالْأَقْدَامِ ( الرحمن : 41 ) . فالمجرم يُدخل به إلى النار من خلال هذه الطريقة المهينة ، فهل هذه الطريقة حسنة أم قبيحة ؟ إنّها بالمنظار العامّ نعمة إلهيّة . ثمّ يقول تعالى في نفس هذه السورة : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( الرحمن : 44 43 ) فهنا جهنّم هذه هل تأتى ضمن النظام الأحسن أم لا ؟ وهل هي نعمة إلهيّة أم لا ؟ وبعد هذه الآيات يأتي أيضاً قوله تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَىِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( الرحمن : 47 46 ) . « 1 » والحاصل : أنّه كما أنّ الجنّة نعمة إلهيّة ، كذلك النار هي نعمة ، والعلّة في ذلك أنّ الكثير من الناس إن لم نقل الأعمّ الأغلب يعبدون الله خوفاً من ناره ، والخوف هو السبب في توجّه الإنسان إلى « الجنّات » ، وإلّا إن لم تكن النار موجودة لما خاف ، ولابتعد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى . فإذا ميّزنا بين الجنّة والنار وأردنا أن نجعل أو نُقيم مقايسة بينهما نقول : الجنّة نعمة والنار نقمة ، ولكن إذا نظرنا إلى الجنّة والنار ضمن هذا النظام العام نرى أنّ الجنّة ضروريّة فيه ، وكذلك النار ، فالجنّة حقّ ، والنار حقّ ،

--> ( 1 ) راجع للتفصيل : التوحيد ، السيّد كمال الحيدري ، مصدر سابق : ج 2 ص 257 .